لم تعد المحاماة والوظيفة الحكومية وجهتَي خريج الحقوق الوحيدتين؛ فمع صعود «التكنولوجيا القانونية» بدأ جيلٌ جديد من القانونيين في الخليج يشقّ مساراً هجيناً يجمع بين تخصصه والذكاء الاصطناعي.
قبل سنواتٍ قليلة، حين كان طلبة القانون على مقاعد الدراسة، لم يكن أمامهم سوى صورةٍ واضحة المعالم لمستقبلهم المهني: المحاماة، أو وظيفةٌ حكومية، أو العمل في الشركات. غير أنّ هذه الصورة راحت تتبدّل على نحوٍ هادئ، مع دخول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا القانونية إلى المشهد، وبروز أدوارٍ جديدة لم تكن مطروحة من قبل.
واليوم، يجد عددٌ من الخريجين الشباب أنفسهم روّاداً في مسارٍ لم يُرسَم لهم سلفاً، فاضطرّوا إلى ارتياده واكتشافه بأنفسهم وصقل قدراتهم فيه بعد التخرّج، في مؤشرٍ على تحوّلٍ أوسع يعيد تعريف ملامح المهنة القانونية في المنطقة.
وتؤكّد المؤشرات العالمية عمق هذا التحوّل؛ فقد كشف تقرير صادر عن شركة «إيت إيه إم» (8am) لعام ٢٠٢٦ أنّ ما يقارب سبعة من كل عشرة قانونيين باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملهم، وهو رقمٌ تضاعف خلال عامٍ واحد. أمّا إقليمياً، فيُتوقّع أن تصل إيرادات سوق الذكاء الاصطناعي القانوني في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى نحو ١٢١٫٥ مليون دولار بحلول عام ٢٠٣٠، مع تسجيل السعودية، حيث تتّجه رؤوس الأموال السيادية نحو الذكاء الاصطناعي القانوني العربي، أعلى معدّل نموٍّ متوقّع في المنطقة.
مسارٌ لم يكن مطروحاً على مقاعد الدراسة
يتفق كثيرٌ ممّن دخلوا هذا الميدان على أنّ المسار الجديد لم يكن واضحاً ولا منتشراً أثناء سنوات دراستهم؛ إذ ظلّ الاتجاه التقليدي هو الأكثر شيوعاً بين خريجي الحقوق.
غير أنّ تطوّر المفاهيم وظهور «التكنولوجيا القانونية» فتحا أمامهم أفقاً جديداً يجمع بين المجال الذي درسوه واهتمامهم بالتقنية. وتروي إحدى العاملات في هذا المجال أنّ اهتمامها تبلور خصوصاً بعد بحثها في مرحلة الماجستير حول أثر تطبيق الذكاء الاصطناعي في إجراءات التقاضي المدني والتجاري.
«خلال فترة دراستي للقانون لم يكن هذا المسار واضحاً أو منتشراً؛ فالمسار التقليدي كان الأكثر شيوعاً. لكن مع ظهور مفهوم التكنولوجيا القانونية بدأت أرى فرصة جديدة تجمع بين ما درستُه واهتمامي بالتقنية، خصوصاً بعد بحثي في الماجستير حول أثر الذكاء الاصطناعي في إجراءات التقاضي المدني والتجاري».
المهندسة القانونية شيخة الهيلع
ويشترك آخرون في القناعة ذاتها، وإن اختلفت دوافعهم؛ فبعضهم اختار هذا الدور إيماناً بأنه يمثّل مستقبل المهنة القانونية، لا مجرّد تخصصٍ ناشئ عابر.
«ما جذبني إلى دور المهندس القانوني هو أنه من التخصصات الحديثة غير التقليدية، إذ يجمع بين المعرفة القانونية والتقنيات الحديثة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. وأرى أنّ هذا الدور سيمثّل مستقبل المهن القانونية، خاصة مع التحوّل الرقمي المتسارع الذي تشهده الجهات الحكومية والشركات؛ لذلك أؤمن بأنّ الطلب على المهندس القانوني سيزداد بشكل كبير خلال السنوات القادمة، وسيصبح من التخصصات الأساسية التي تحتاجها المؤسسات لمواكبة التطورات التقنية والتنظيمية. كما يمنحني هذا المجال فرصةً للإسهام في تطوير القطاع القانوني عبر ابتكار حلولٍ أكثر كفاءةً ودقة».
المهندس القانوني عبدالرحمن الزامل
ماذا ينقص كليات الحقوق؟
وعند سؤالهم عمّا يتمنّون أن تُدرّسه كليات الحقوق اليوم ولا تفعل، يتّجه القانونيون الشباب إلى إجابةٍ متقاربة: مزيدٌ من التركيز على الجانب التطبيقي والتقنيات الحديثة المرتبطة بالقانون، وفي مقدّمتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
فدراسة القانون، بحسب قولهم، لم تعد تقتصر على معرفة النصوص، بل باتت تتطلّب فهم كيفية توظيف التكنولوجيا في تطوير ممارسة العمل القانوني. ويذهب بعضهم إلى أنّ المناهج ما زالت تسير وفق نهجٍ تقليدي لم يشهد تطوّراً جوهرياً منذ سنوات، باستثناء تحديث القوانين والتشريعات.
«لا تزال كليات الحقوق تسير وفق نهجٍ تقليدي لم يتطوّر جوهرياً منذ سنوات؛ فلا يُعلَّم الطلبة كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل القانوني، ولا الاطلاع على الممارسات الحديثة التي تعتمدها المؤسسات القضائية في الدول المتقدمة. إنّ إعداد القانوني في العصر الحديث يتطلّب دمج هذه المهارات في المناهج حتى يكون قادراً على المنافسة».
المهندس القانوني عبدالرحمن الزامل
ويشدّد هؤلاء على أنّ تعلّم أدوات البحث القانوني الحديثة وصياغة العقود وتحليل البيانات القانونية أصبح مطلوباً في سوق العمل، بل إنّ اكتساب هذه المهارات في مرحلة الجامعة يوفّر على الخريج سنواتٍ من البدء من الصفر بعد التخرّج. وتدعم البياناتُ هذا التوجّه؛ إذ تشير تقديرات القطاع إلى أنّ الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرةٌ على تقليص الوقت المخصّص لإعداد القضايا والبحث القانوني بنسبةٍ تصل إلى ٤٠٪، وهو تحوّلٌ يعيد أيضاً تشكيل طريقة شراء الشركات الخليجية للتكنولوجيا القانونية.
تجربةٌ في صميم التحوّل
وبالنسبة لبعضهم، مثّل الانضمام إلى شركةٍ ناشئة متخصصة في هذا المجال فرصةً لتطبيق دراستهم القانونية في ميدانٍ جديد يجمع بين القانون والتكنولوجيا. وهذا حال شركة «عقود» (Oqood AI)، وهي شركة تقنية قانونية مقرّها الكويت تدرّبت في كنفها الدفعة على هذا الدور، ويُعدّ مؤسّسها من الأصوات الإقليمية المشاركة في مناقشة الذكاء الاصطناعي القانوني ضمن قمّة مرتقبة في الكويت. وتقول إحدى المشاركات إنّ أكثر ما استهواها هو فكرة توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع القانوني وتحسين التعامل مع الإجراءات والمستندات.
«كانت تجربة مختلفة ومميزة، لأنها أتاحت لي تطبيق دراستي القانونية في مجال يجمع بين القانون والتكنولوجيا. أكثر ما جذبني هو فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير القطاع القانوني وتحسين طريقة التعامل مع الإجراءات والمستندات».
المهندسة القانونية شيخة الهيلع، شركة «عقود»
وتُجمع هذه الشهادات على أنّ ما يجري ليس تبدّلاً عابراً في خيارات الوظيفة، بل تحوّلٌ في بنيان المهنة ذاتها؛ إذ بات القانوني القادر على فهم التقنية وتطويعها أقربَ إلى متطلبات سوقٍ يمضي بثباتٍ نحو ترسيخ الذكاء الاصطناعي في صميم العمل القانوني. وبالنسبة للشركات التي تقود هذا التحوّل، فإنّ الغاية ليست البيانات في ذاتها؛ فكما يرى مؤسّس «عقود» خالد الراشد، إنّ الدقّة وربط المصادر القانونية هما ما يبني منظومةً تثق بها الفرق القانونية.


