سوق عالمي يضم 37.9 مليون إجراء، و691 ألف سائح صحي يتوافدون على دبي في عام واحد، واقتصاد عيادات يغص بالداخلين الجدد: الممارسات التي سبقت الازدهار تمتلك الأصل الوحيد الذي لا يأتي بالطائرة.
لم يبلغ قطاع التجميل العالمي مثل هذا الحجم من قبل، ولم يقترب الخليج إلى هذا الحد من مركزه. فقد أحصت الجمعية الدولية لجراحة التجميل 37.9 مليون إجراء جراحي وغير جراحي حول العالم في استطلاعها لعام 2024، بنمو قدره 42.5 بالمائة خلال أربع سنوات، وحددت الإمارات ضمن أربع دول فقط إلى جانب تونس وكولومبيا وتركيا تجذب أعلى نسبة من المرضى الأجانب.
وإن كان لهذا التصنيف تجسيداً حياً فهو عيادة الشنار لجراحة التجميل، المركز الواقع على طريق شاطئ جميرا الذي أسسته الدكتورة بثينة الشنار عام 2005، أول جراحة تجميل إماراتية، بعقد كامل قبل أن يكون للسياحة العلاجية لوحة تحكم حكومية. سبقت عيادتها الطفرة التي تحيط بها الآن، وهو ما يجعلها بالضبط العدسة المناسبة لقراءة أوجه التعرض في هذه الطفرة.
وترسم أرقام دبي صورة الجائزة. إذ أفادت هيئة الصحة بدبي بأن أكثر من 691 ألف سائح صحي دولي زاروا الإمارة عام 2023 وأنفقوا أكثر من 1.03 مليار درهم، مقابل 674 ألف زائر و992 مليون درهم في العام السابق. تفسر هذه الأرقام حمى الذهب: تضاعفت العيادات عبر الإمارة، ووصلت امتيازات دولية، وأصبحت ميزانيات التسويق هي التي تقرر أي غرفة عمليات ينتهي إليها السائح. الطفرة حقيقية، وكذلك نقاط الضعف الهيكلية فيها.
مشكلة بيع الجغرافيا
يتعين على أي رواية صادقة أن تعترف بما يحمله التصنيف ضمن الأربعة الأوائل من وجهين. السوق الذي يُقدر بانفتاحه على المرضى الأجانب يجذب أيضاً الجانب الكمي من التجارة: أسعار الحزم والاستشارات المضغوطة وبيع الجراحة كترقية فندقية. كل مضاعفة تعود مع المريض إلى بلده تحسب على سمعة الوجهة بأكملها لا على العيادة المسببة لها فقط. لا تفشل وجهات السياحة التجميلية لاختفاء الطلب بل لاختفاء الثقة. وهذا ما يجعل أكثر المؤسسات أهمية استراتيجية في سوق دبي هي تلك التي راكمت الثقة قبل أن يصبح بناؤها مربحاً.
عمق جيلين
تدريب الدكتورة الشنار من النوع الذي لا يمكن امتيازه: درجة مع مرتبة الشرف من الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا عام 1991، ثم جراحة عامة في مستشفيي جونز هوبكنز وجامعة جورج واشنطن، وجراحة تجميل في جونز هوبكنز، وشهادة من مجلس الجراحة التجميلية الأميركي ومجلس الجراحة الأميركي، ثم مناصب استشارية في بنسلفانيا ومدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي قبل دبي. وبحسب إحصاءاتها الخاصة أجرت العيادة أكثر من 30 ألف جراحة لنحو 13 ألف مريض على مدى عشرين عاماً.
وتمتد القصة جيلاً أعمق. كانت والدتها أول طبيبة نسائية إماراتية وقد أنجبت أكثر من 18 ألف طفل. امرأتان إماراتيتان على التوالي حققتا السبق في المهنة الطبية بالبلاد، والثانية فعلت ذلك في تخصص يغير وجود جراحة أنثى من يلتمس الرعاية: كثير من النساء في المنطقة سيستشرن طبيبة أو لن يستشرن أحداً. هذا ليس زاوية تسويقية بل هو وصول إلى السوق، وهو يسبق كل قمع اكتساب في الصناعة.
ترسيخ تحت خط الاتجاه
يهم مزيج العيادة السريري بقدر أهمية تاريخها. تظهر بيانات الجمعية الدولية لجراحة التجميل ذاتها مدى عنف دوران الطلب التجميلي حالياً: ارتفع إجراء جراحة الجفون 13.4 بالمائة في عام واحد ليصبح الأكثر إجراءً في العالم بينما انخفضت جراحة الأنف 10 بالمائة. عيادة مبنية على ما هو رائج فقط تتعرض للدورة نفسها التي صنعتها. تمتد ممارسة الشنار إلى إعادة بناء ما بعد سرطان الثدي والجراحة المجهرية وجراحة اليد إلى جانب العمل التجميلي، وهي تخصصات لا تتبع الموضة وتبقي معايير الفريق الجراحي مضبوطة وفق الطب لا الطلب.
هذا هو المقارن الذي نادراً ما يسعره السوق. تستطيع عيادة جديدة مطابقة التجهيزات والديكور والإنفاق الإعلامي لعيادة راسخة خلال عام واحد، لكنها لا تستطيع مطابقة عشرين عاماً من النتائج المحلية أو حجم حالات إعادة البناء أو قصة تأسيس هي جزء من التاريخ الطبي للبلاد. ومع صعود أرقام السياحة الصحية في دبي فإن ما تصدره الإمارة حقاً ليس القدرة التي يبنيها المنافسون من الرياض إلى إسطنبول أيضاً، بل المصداقية لكل إجراء. وبهذا المقياس فإن المؤسسات التي سبقت الازدهار ليست كيانات قائمة يمكن تعطيلها، بل هي الضمانة التي تقترض منها الوجهة بأكملها.


