تستمر السياسة الاقتصادية في الإمارات بالتركيز على بناء المرونة مع تقدم البلاد في خطة التنويع خلال النصف الأول من عام 2026. وأبرز تقييم لـ«بي دبليو سي الشرق الأوسط» نشرته «خليج تايمز» في يناير التقدم المستمر في اتفاقيات التجارة وبنية الذكاء الاصطناعي وإصلاحات القطاعات على مدار 2025، رغم ما شهدته الظروف الخارجية من تراجع أسعار النفط وتشديد الأوضاع المالية والمنافسة الجيواقتصادية. وتضع بيانات «أكسفورد إيكونوميكس» نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول مجلس التعاون الخليجي عند 4.4 في المائة هذا العام، مرتفعاً من 4 في المائة في 2025، في حين لاحظ التقييم أن ضريبة الدخل على الشركات الاتحادية وفرت قاعدة إيرادات غير نفطية أقوى، مما يقلل من الحساسية تجاه تقلبات أسعار الهيدروكربونات.
أولت الإمارات الأولوية لعلاقات تجارية أوسع نطاقاً وأكثر تنوعاً للتعامل مع الديناميكيات العالمية المتشظية. وبحلول نهاية 2025، أفعلت الدولة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مع أكثر من 24 شريكاً عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، الأمر الذي أنتج نمواً بنسبة مكونة من رقمين في التجارة غير النفطية مع الهند وتركيا وإندونيسيا، بحسب تقييم «بي دبليو سي». وتتجاوز هذه الاتفاقيات التعريفات الجمركية لتشمل الخدمات والاستثمار والتجارة الرقمية وقواعد المنشأ التي تدعم أهداف اللوجستيات المحلية والتصنيع والتصدير. وعززت المشاركة مع دول جنوب شرق آسيا عبر اتفاقيات مع إندونيسيا وكمبوديا ومفاوضات مع فيتنام وماليزيا من خلال الاستثمارات المتبادلة في الموانئ والطاقة والأصول الصناعية، كما أفاد التقرير.
ويشكل تأمين الوصول إلى المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد المرنة محوراً رئيسياً آخر. فقد أدى الارتفاع في الطلب العالمي على الليثيوم والكوبالت والنحاس وعناصر الأرض النادرة إلى تعريض سلاسل التوريد المركزة لمخاطر جيوسياسية، مما حدا بالإمارات إلى البحث عن شراكات في مراحل الإنتاج الأولية في أفريقيا وآسيا. وأنشأت «أدكو» مشروعاً مشتركاً مع «أوريون ريسورس بارتنرز» لإنشاء منصة استثمارية في المعادن والتعدين، بينما تستهدف أبوظبي فرصاً في التجارة والمعالجة والتصنيع تتماشى مع الاستراتيجية الصناعية الوطنية. ويهدف إطار عمل موقع مع الولايات المتحدة في فبراير 2026 إلى تسريع توفير إمدادات آمنة لهذه المواد لأغراض الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، كما أعلنت وزارة الاستثمار. وأشارت تقييمات صندوق النقد الدولي إلى أن مثل هذه التحركات يمكن أن تعزز دور الإمارات كصلة وصل في سلاسل القيمة العالمية.
وقد انتقل تسريع نشر الذكاء الاصطناعي من مرحلة بناء البنى التحتية إلى التطبيقات العملية في القطاعات الرئيسية. وتحتل الإمارات اليوم مراكز متقدمة عالمياً في خطط إنشاء مجموعات وحدات معالجة الرسومات، إذ من المقرر أن تضيف المرحلة الأولى من «ستارغيت الإمارات» وتوسعات «خزنة لمراكز البيانات» قدرات كبيرة خلال 2026، بحسب ما وجد تقييم «بي دبليو سي». وتتحول الخدمات المالية واللوجستيات والنقل والطاقة وتجارة التجزئة من مشاريع تجريبية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تشغيلية، بما يشمل نماذج متخصصة حسب القطاع ومنصات الأتمتة. ومن المنتظر أن تمنح التطورات التنظيمية في مجال حوكمة البيانات ومخاطر النماذج وإعداد تقارير الحوادث الوضوح اللازم للتبني في الصناعات المنظمة، بينما ستوسع قواعد سيادة البيانات نطاق التوطين للبيانات الحساسة في القطاعات الحكومية والصحية والمالية.
وتتطور الإجراءات المتعلقة بسوق العمل لإدارة انتقال القوى العاملة مع تزايد وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي. وتتوسع البرامج التدريبية القصيرة والمعتمدة المعيارية والمؤهلات المصغرة مع توحيد المعايير لتلبية احتياجات أرباب العمل في مجالات تحليل البيانات والأمن السيبراني والعمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفق التقييم الصادر في يناير. وتساهم الشراكات مع شركات التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وآي بي إم، بالإضافة إلى مبادرة «مليون مُحفز ذكاء اصطناعي» التابعة لمؤسسة دبي للمستقبل، في توسيع نطاق التعلم التطبيقي، فيما تدمج منصة الموارد البشرية الإماراتية الذكية بيانات الطلب والمهارات والتوظيف لتوجيه جهود إعادة التأهيل المهني. وتركز السياسة حالياً على تسهيل التنقل الوظيفي والتحولات المهنية في منتصف المسار نحو وظائف أعلى قيمة في القطاع الخاص بدلاً من الحفاظ على المناصب القائمة، كما أشار التقرير.
وتعزز السياسة المالية قدرة الاقتصاد على الصمود في ظل بيئة أسعار نفط منخفضة من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية. ويتوقع أن تولد ضريبة الشركات الاتحادية مليارات الدراهم كل عام، وقد تمثل ما بين 2 و3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بعد التنفيذ الكامل، كما أوضح تقرير لصندوق النقد الدولي. ويتيح هذا المخزن إنفاقاً أكثر تركيزاً وانضباطاً على الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والتصنيع المتقدم واللوجستيات، حيث يمكن للأموال الحكومية جذب استثمارات القطاع الخاص. ويبقى الدين الحكومي منخفضاً مقارنة بالمعايير الدولية، بينما تساعد عمليات تسييل الأصول والشراكات بين القطاعين العام والخاص وتحسين الالتزام الضريبي في تنفيذ مشاريع البنية التحتية دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في الإنفاق العام، كما أكد شريك في «بي دبليو سي».


